الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

دراسة مسألة القدر من المسائل المهمة التي لابد للانسان أن يخوض غمارها وأن يستعين بالله حتى يدفع الشك عنه

بســـــــم الله الرحمــــــن الرحيــــم

الفصل الثاني: فتاوى حول العلم (كتاب العلم للعثيمين رحمه الله) [74-76/1]
وسئل فضيلة الشيخ: عمن لا يحب دراسة العقيدة خصوصًا مسألة القدر خوفًا من الزلل؟
فأجاب بقوله: هذه المسألة كغيرها من المسائل المهمة التي لا بد للإنسان منها في دينه ودنياه، لا بد أن يخوض غمارها وأن يستعين بالله - تبارك وتعالى على تحقيقها ومعرفتها حتى يتبين له الأمر؛ لأنه لا ينبغي أن يكون على شك في هذه الأمور المهمة.
أما المسائل التي لا تخل بدينه لو أجلها ولا يخشى أن تكون سببا لانحرافه، فإنه لا بأس أن يؤجلها ما دام غيرها أهم منها، ومسائل القدر من الأمور المهمة التي يجب على العبد أن يحققها تماما حتى يصل فيها إلى اليقين.
وهي في الحقيقة ليس فيها إشكال - ولله الحمد - والذي يثقل دروس العقيدة على بعض الناس هم أنهم مع الأسف الشديد يرجحون جانب كيف على جانب لِمَ؟ والإنسان مسؤول عن عمله بأداتين من أدوات الاستفهام "لِمَ" و "كيف" فلِم عملت كذا؟ هذا الإخلاص. كيف عملت كذا؟ هذا المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وأكثر الناس الآن مشغولون بتحقيق جواب "كيف" غافلون عن تحقيق جواب "لِم" ولذلك تجدهم في جانب الإخلاص لا يتحرون كثيرًا، وفي جانب المتابعة يحرصون على أدق الأمور، فالناس الآن مهتمون كثيرًا بهذا الجانب، غافلون عن الجانب الأهم وهو جانب العقيدة وجانب الإخلاص وجانب التوحيد.
لهذا تجد بعض الناس في مسائل الدين يسأل عن مسألة يسيرة جدًّا جدًّا وقلبه منكبّ على الدنيا غافل عن الله مطلقًا في بيعه وشرائه، ومركوبه، ومسكنه، وملبسه، فقد يكون بعض الناس الآن عابدًا للدنيا وهو لا يشعر، وقد يكون مشركًا بالله في الدنيا وهو لا يشعر، لأنه مع الأسف الشديد لا يهتم بجانب التوحيد وجانب العقيدة، وهذا ليس من العامة فقط ولكن من بعض طلاب العلم وهذا أمر له خطورته.
كما أن التركيز على العقدية فقط بدون العمل الذي جعله الشارع كالحامي والسور لها خطأ أيضًا؛ لأننا نسمع في الإذاعات ونقرأ في الصحف التركيز على أن الدين هو العقيدة السمحاء وما أشبه ذلك من العبارات، وفي الحقيقة أن هذا يُخشى أن يكون بابًا يلج منه مَن يلج في استحلال بعض المحرمات بحجة أن العقيدة سليمة، ولكن لا بد من ملاحظة الأمرين جميعًا ليستقيم الجواب على لم وعلى كيف.
وخلاصة الجواب: أنه يجب على المرء دراسة علم التوحيد والعقيدة؛ ليكون على بصيرة في إلهه ومعبوده - جل وعلا - على بصيرة بأسماء الله، وصفاته، وأفعاله، على بصيرة في أحكامه الكونية، والشرعية، على بصيرة في حكمته، وأسرار شرعه وخلقه، حتى لا يضلّ بنفسه أو يضل غيره.
وعلم التوحيد هو أشرف العلوم لشرف متعلقه؛ ولهذا سماه أهل العلم (الفقه الأكبر) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين" 1.
وأول ما يدخل في ذلك وأولاه علم التوحيد والعقيدة، لكن يجب على المرء أيضًا أن يتحرى كيف يأخذ هذا العلم ومن أيّ مصدر يتلقاه، فليأخذ من هذا العلم أولا ما صفا منه وسلم من الشبهات، ثم ينتقل ثانيا إلى النظر فيما أورد عليه من البدع والشبهات؛ ليقوم بردها وبيانها مما أخذ من قبل العقيدة الصافية، وليكن المصدر الذي يتلقاه منه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ثم كلام الصحابة - رضي الله عنهم - ثم ما قاله الأئمة بعدهم من التابعين وأتباعهم، ثم ما قاله العلماء الموثوق بعلمهم وأمانتهم، وخصوصا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما وعلى سائر المسلمين وأئمتهم سابغ الرحمة والرضوان.
__________

1 متفق عليه رواه البخاري 71, 3116, 7312. ومسلم 1037.

لا يعذر من درس العقيدة على مذهب غير السلف بل وجب عليه ان يبحث ثم يتبع الحق أينما كان

بســـــــم الله الرحمــــــن الرحيــــم

الفصل الثاني: فتاوى حول العلم (كتاب العلم للعثيمين رحمه الله) [74-/1]
سئل فضيلته حفظه الله: هل يعذر طلبة العلم الذين درسوا العقيدة على غير مذهب السلف الصالح محتجين بأن العالم الفلاني أو الإمام الفلاني يعتقد هذه العقيدة؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا يُعذر به صاحبه حيث بلغه الحق؛ لأن الواجب عليه أن يتبع الحق أينما كان، وأن يبحث حتى يتبين له.
والحق ولله الحمد ناصع، بيِّن لمن صلحت نيته، وحسن منهاجه، فإن الله - عز وجل يقول في كتابه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17] .

ولكن بعض الناس - كما ذكر الأخ السائل- يكون لهم متبوعون معظمون لا يتزحزحون عن آرائهم، مع أنه قد ينقدح في أذهانهم أن آراءهم ضعيفة أو باطلة، لكن التعصب والهوى يحملهم على موافقة متبوعيهم، وإن كان قد تبين لهم الهدى.

الخميس، 21 أغسطس 2014

الطريقة المثالية لتعامل طالب العلم مع الكتب

بســـــــم الله الرحمــــــن الرحيــــم

الفصل الأول: كتب طالب العلم (كتاب العلم للعثيمين رحمه الله) [70-67/4]
التعامل مع الكتاب يكون بأمور:
الأول: معرفة موضوعه: حتى يستفيد الإنسان منه؛ لأنه يحتاج إلى التخصص، ربما يكون كتاب سحر أو شعوذة أو باطل، فلا بد من معرفة موضوع الكتاب حتى تحصل الفائدة منه.
الثاني: معرفة مصطلحاته: لأن معرفة المصطلحات يحصل بها أنك تحفظ أوقاتًا كثيرة، وهذا يفعله العلماء في مقدمات الكتب، فمثلا نعرف أن صاحب "بلوغ المرام" إذا قال متفق عليه يعني رواه البخاري ومسلم، لكن صاحب المنتقى على خلاف ذلك فإذا قال صاحب المنتقى - متفق عليه فإنه يعني رواه الإمام أحمد والبخاري، ومسلم، كذلك يحتاج أن تعرف مثلا إذا قال المؤلف إجماعًا أو وفاقًا، إذا قال إجماعًا يعني بين الأمة، وإذا قال وفاقًا يعني مع الأئمة الثلاثة كما هو اصطلاح صاحب "الفروع" في فقه الحنابلة، وكذلك بقية أصحاب المذاهب؛ كلّ له اصطلاح، فلا بد أن تعرف اصطلاح المؤلف.
الثالث: معرفة أسلوبه وعباراته: ولهذا تجد أنك إذا قرأت الكتاب أول ما تقرأ - لا سيما في الكتب العلمية المملوءة علمًا - تجد أنه تمر بك العبارة تحتاج إلى تأمل وتفكير في معناها؛ لأنك لم تألفه، فإذا كررت هذا الكتاب ألفته وهناك أيضا أمر خارج عن التعامل مع الكتاب وهو: التعليق بالهوامش أو الحواشي. فهذا أيضًا مما يجب لطالب العلم أن يغتنمه، وإذا مرت به مسألة تحتاج إلى شرح، أو إلى دليل، أو إلى تعليل ويخشى أن ينساه فإنه يُعلق إما بالهامش وهو الذي على اليمين أو اليسار أو بالحاشية وهي التي في الأسفل وكثيرًا ما يفوت الإنسان مثل هذه الفوائد التي لو علقها لم تستغرق عليه إلا دقيقة أو دقيقتين، ثم إذا عاد ليتذكرها بقي مدة يتذكرها وقد لا يذكرها. فينبغي على طالب العلم أن يعتني بذلك لا سيما في كتب الفقه، يمر بك في بعض الكتب مسألة وحكمها ويحصل عندك توقف وإشكال، فإذا رجعت للكتب التي أوسع من الكتب الذي بين يديك ووجدت قولا يوضح المسألة.
مطالعة الكتب على نوعين:
أولا: مطالعة تدبر وتفهم، فهذه لا بد أن يتأمل الإنسان ويتأنى.
ثانيا: مطالعة استطلاع فقط ينظر من خلالها على موضوع الكتاب، وما فيه من مباحث، ويتعرف على مضمون الكتاب، وذلك من خلال تصفح وقراءة سريعة للكتاب، فهذه لا يحصل فيها من التأمل والتدبر ما يحصل في النوع الأول.
جمع الكتب:
ينبغي لطالب العلم أن يحرص على جمع الكتب، ولكن يبدأ بالأهم فالأهم، فإذا كان الإنسان قليل ذات اليد، فليس من الخير وليس من الحكمة أن يشتري كتبًا كثيرة يلزم نفسه بغرامة قيمتها، فإن هذا من سوء التصرف، وإذا لم يمكنك أن تشتري من مالك فيمكنك أن تستعير من أي مكتبة.
الحرص على الكتب المهمة:
يجب على طالب العلم أن يحرص على الكتب الأمهات الأصول دون المؤلفات حديثًا؛ لأن بعض المؤلفين حديثًا ليس عنده العلم الراسخ، ولهذا إذا قرأت ما كتبوا تجد أنه سطحيّ، قد ينقل الشيء بلفظه، وقد يحرفه إلى عبارة طويلة لكنها غثاء.
فعليك بالأمهات كتب السلف فإنها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف.
لأن غالب كتب المتأخرين قليلة المعاني، كثيرة المباني، تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخصها بسطر أو سطرين، لكن كتب السلف تجدها هينة، لينة، سهلة رصينة، لا تجد كلمة واحدة ليس لها معنى.
تقويم الكتب:
الكتب تنقسم إلى ثلاثة أقسام.
القسم الأول: كتب خير. القسم الثاني: كتب شر. القسم الثالث: كتب لا خير ولا شر.

فاحرص أن تكون مكتبتك خالية من الكتب التي ليس فيها خير أو التي فيها شر وهناك كتب يقال: إنها كتب أدب، لكنها تقطع الوقت وتقتله في غير فائدة، وهناك كتب ضارة ذات أفكار معينة وذات منهج معين، فهذه أيضًا لا تدخل المكتبة سواء كان ذلك في المنهج أو كان ذلك في العقيدة، مثل كتب المبتدعة التي تضر في العقيدة، والكتب الثورية التي تضر في المنهج وعمومًا كل كتب تضر فلا تدخل مكتبتك؛ لأن الكتب غذاء للروح كالطعام والشراب للبدن، فإذا تغذيت بمثل هذه الكتب صار عليك ضرر عظيم واتجهت اتجاهًا مخالفًا لمنهج طالب العلم الصحيح.

Translate